خطبته في التحذير من الدنيا:
حمد الله ، وأثنى عليه ، وذكر جدّه فصلّى عليه ثُمَّ قال :
أيّها النّاس أُحذّركم من الدنيا وما فيها ، فإنّها دار زوال وانتقال ، تنتقل بأهلها من حال إلى حال ، وهي قد أفنت القرون الماضية والأُمم الماضية ، وهم الّذين كانوا أكثر منكم مالاً ، وأطول أعماراً ، وأكثر آثاراً ، أفنتهم أيدي الزمان ، وأحتوت عليهم الأفاعي والديدان ، أفنتهم الدنيا فكأنّهم لا كانوا لها أهلاً ولا سكّاناً ، وقد أكل التراب لحومهم ، وأزال محاسنهم ، وبدّد أوصالهم وشمائلهم ، وغيّر ألوانهم ، وطحنتهم أيدي الزمان ، أفتطمعون بعدهم بالبقاء ، هيهات هيهات ، فلابدّ من اللحوق والملتقى ، فتدركوا ما مضى من عمركم وما بقي ، وافعلوا فيه ما سوف يعدّ لكم من الأعمال الصالحة قبل انقضاء الأجل ، وفروغ الأمل ، فعن قريب تؤخذون من القصور إلى القبور ، حزينين غير مسرورين ، فكم والله من فاجر قد استكملت عليه الحسرات ، وكم من عزيز وقع في مسالك الهلكات ، حيث لا ينفعه الندم ولا يغاث من ظلم ، وقد وجدوا ما أسلفوا ، واحذروا ما همود ، وفي عسكر الموتى خمود ، ينتظرون صيحة القيامة ، وحلول يوم الطامّة لِيَجْزِىَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْحُسْنَى . بلاغة الامام علي بن الحسين، 29
خطبته في الكوفة:
قال ابن طاووس: ثم إن زين العابدين عليه السلام : خرج زين العابدين عليه السلام إلى الناس وأومئ إليهم أن اسكتوا فسكتوا ، وهو قائم ، فحمد الله وأثنى عليه ، وصلى على نبيه ، ثم قال :
أيها الناس من عرفني فقد عرفني ! ومن لم يعرفني فأنا علي بن الحسين ، المذبوح بشط الفرات من غير دخل ولا تراث ، أنا ابن من انتهك حريمه ، وسلب نعيمه ، وانتهب ماله ، وسبي عياله ، أنا ابن من قتل صبرا ، فكفى بذلك فخرا . أيها الناس ناشدتكم بالله هل تعلمون أنكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه ، وأعطيتموه من أنفسكم العهد والميثاق والبيعة ؟ قاتلتموه وخذلتموه فتبا لكم ما قدمتم لأنفسكم وسوء لرأيكم ، بأية عين تنظرون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ، يقول لكم : قتلتم عترتي ، وانتهكتم حرمتي ، فلستم من أمتي .
قال : فارتفعت أصوات الناس بالبكاء ، ويدعو بعضهم بعضا : هلكتم وما تعلمون .
فقال علي بن الحسين ، رحم الله امرءا قبل نصيحتي ، وحفظ وصيتي في الله وفي رسوله ، وفي أهل بيته ، فإن لنا في رسول الله أسوة حسنة .
فقالوا بأجمعهم ؟ نحن كلنا يا بن رسول الله سامعون مطيعون حافظون لذمامك ، غير زاهدين فيك ، ولا راغبين عنك ، فمرنا بأمرك رحمك الله فإنا حرب لحربك ، سلم لسلمك ، لنأخذن ترتك وترتنا ، عمن ظلمك وظلمنا .
فقال علي بن الحسين عليه السلام : هيهات هيهات ! ! أيها الغدرة المكرة ، حيل بينكم وبين شهوات أنفسكم ، أتريدون أن تأتوا إلي كما أتيتم إلى آبائي من قبل كلا ورب الراقصات إلى منى ، فإن الجرح لما يندمل ! ! قتل أبي بالأمس ، وأهل بيته معه ، فلم ينسني ثكل رسول الله صلى الله عليه وآله ، وثكل أبي وبني أبي وجدي شق لهازمي ، ومرارته بين حناجري وحلقي ، وغصصه تجري في فراش صدري . ومسألتي أن لا تكونوا لنا ولا علينا :
ثم قال عليه السلام :
لا غرو أن قتل الحسين وشيخه * قد كان خيرا من حسين وأكرما
فلا تفرحوا يا أهل كوفة بالذي * أصيب حسين كان ذلك أعظما
قتيل بشط النهر نفسي فداؤه * جزاء الذي أرداه نار جهنما
الاحتجاج، ج2، ص31-32
خطبته في مجلس ابن زياد:
قال السيد ابن طاووس: ثم التفت ابن زياد إلى علي بن الحسين عليهما السلام فقال من هذا ؟ فقيل : علي بن الحسين ، فقال : أليس قد قتل الله علي بن الحسين عليه السلام فقال علي عليه السلام : قد كان لي أخ يقال له علي بن الحسين قتله الناس فقال بل الله قتله . فقال علي عليه السلام الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها ، فقال ابن زياد : ألك جرأة على جوابي إذهبوا به فاضربوا عنقه فسمعت به عمته زينب فقالت : يا بن زياد إنك لم تبق منا أحدا فإن كنت عزمت على قتله فاقتلني معه ، فقال علي عليه السلام لعمته أسكتي يا عمة حتى أكلمه ثم أقبل ، فقال : أبا لقتل تهددني يا ابن زياد أما علمت أن القتل لنا عادة وكرامتنا الشهادة . ثم أمر ابن زياد بعلي بن الحسين عليه السلام وأهله فحملوا إلى دار جنب المسجد الأعظم ، فقالت زينب بنت علي عليه السلام لا تدخلن عربية إلا أم ولد أو مملوكة فإنهن سبين كما سبينا ثم أمر ابن زياد برأس الحسين عليه السلام فطيف به في سكك الكوفة اللهوف في قتلى الطفوف ص 94
حديثه مع الشامي:
قال ابن طاووس: قال الراوي : وجاء شيخ ودنا من نساء الحسين عليه السلام وعياله وهم في ذلك الموضع فقال الحمد لله الذي قتلكم وأهلككم وأراح البلاد عن رجالكم ، وأمكن أمير المؤمنين منكم فقال له علي بن الحسين عليه السلام يا شيخ هل قرأت القرآن ؟ قال : نعم ، قال فهل عرفت هذه الآية : لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى . قال الشيخ : نعم قد قرأت ذلك فقال علي عليه السلام له فنحن القربى يا شيخ فهل قرأت في بني إسرائيل وآت القربى حقه فقال الشيخ قد قرأت ، فقال علي بن الحسين فنحن القربى يا شيخ فهل قرأت هذه الآية : واعملوا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى . قال : نعم ، فقال له علي عليه السلام : فنحن القربى يا شيخ فهل فرأت هذه الآية : إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهر كم تطهيرا . قال الشيخ : قد قرأت ذلك ، فقال علي عليه السلام : فنحن أهل البيت الذي خصصنا الله بآية الطهارة يا شيخ .
قال الراوي : فبقى الشيخ ساكتا نادما على ما تكلم به وقال : بالله إنكم هم ، فقال : علي بن الحسين عليهما السلام تالله إنا لنحن هم من غير شك وحق جدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فبكى الشيخ ورمى عمامته ثم رفع رأسه إلى السماء وقال اللهم إنا نبرأ إليك من عدو آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم من جن وإنس ، ثم قال هل لي توبة ، فقال له : نعم إن تبت تاب الله عليك وأنت معنا ، فقال : أنا تائب فبلغ يزيد بن معاوية حديث الشيخ فأمر به فقتل . اللهوف في قتلى الطفوف ص 102
خطبته في الشام:
قال صاحب المناقب وغيره: روي أن يزيد لعنه الله أمر بمنبر وخطيب ليخبر الناس بمساوي الحسين وعلي عليهما السلام وما فعلا ، فصعد الخطيب المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم أكثر الوقيعة في علي والحسين ، وأطنب في تقريظ معاوية ويزيد لعنهما الله فذكر هما بكل جميل ، قال : فصاح به علي بن الحسين : ويلك أيها الخاطب اشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق ، فتبوأ مقعدك من النار
ثم قال علي بن الحسين عليه السلام : يا يزيد ائذن لي حتى أصعد هذه الأعواد فأتكلم بكلمات لله فيهن رضا ، ولهؤلاء الجلساء فيهن أجر وثواب ، قال : فأبى يزيد عليه ذلك فقال الناس : يا أمير المؤمنين ائذن له فليصعد المنبر فلعلنا نسمع منه شيئا فقال : إنه إن صعد لم ينزل إلا بفضيحتي وبفضيحة آل أبي سفيان فقيل له :
يا أمير المؤمنين وما قدر ما يحسن هذا ؟ فقال : إنه من أهل بيت قد زقوا العلم زقا قال : فلم يزالوا به حتى أذن له فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم خطب خطبة أبكى منها العيون ، وأوجل منها القلوب ، ثم قال : أيها الناس أعطينا ستا وفضلنا بسبع : أعطينا العلم ، والحلم ، والسماحة ، والفصاحة ، والشجاعة ، والمحبة في قلوب المؤمنين ، وفضلنا بأن منا النبي المختار محمدا ، ومنا الصديق ، ومنا الطيار ، ومنا أسد الله وأسد رسوله ، ومنا سبطا هذه الأمة ، من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي أيها الناس أنا ابن مكة ومنى ، أنا ابن زمزم والصفا ، أنا ابن من حمل الركن بأطراف الردا ، أنا ابن خير من ائتزر وارتدى ، أنا ابن خير من انتعل واحتفى ، أنا ابن خير من طاف وسعى ، أنا ابن خير من حج ولبى ، أنا ابن من حمل على البراق في الهوا ، أنا ابن من أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، أنا ابن من بلغ به جبرئيل إلى سدرة المنتهى ، أنا ابن من دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ، أنا ابن من صلى بملائكة السماء ، أنا ابن من أوحى إليه الجليل ما أوحى ، أنا ابن محمد المصطفى ، أنا ابن علي المرتضى ، أنا ابن من ضرب خراطيم الخلق حتى قالوا : لا إله إلا الله أنا ابن من ضرب بين يدي رسول الله بسيفين ، وطعن برمحين ، وهاجر الهجرتين ، وبايع البيعتين ، وقاتل ببدر وحنين ، ولم يكفر بالله طرفة عين ، أنا ابن صالح المؤمنين ، ووارث النبيين ، وقامع الملحدين ، ويعسوب المسلمين ، ونور المجاهدين وزين العابدين ، وتاج البكائين ، وأصبر الصابرين ، وأفضل القائمين من آل ياسين رسول رب العالمين ، أنا ابن المؤيد بجبرئيل ، المنصور بميكائيل ، أنا ابن المحامي عن حرم المسلمين ، وقاتل المارقين والناكثين والقاسطين ، والمجاهد أعداءه الناصبين وأفخر من مشى من قريش أجمعين ، وأول من أجاب واستجاب لله ولرسوله من المؤمنين ، وأول السابقين ، وقاصم المعتدين ، ومبيد المشركين ، وسهم من مرامي الله على المنافقين ، ولسان حكمة العابدين ، وناصر دين الله ، وولي أمر الله ، وبستان حكمة الله ، وعيبة علمه سمح ، سخي ، بهي ، بهلول ، زكي ، أبطحي ، رضي ، مقدام ، همام صابر ، صوام ، مهذب ، قوام ، قاطع الأصلاب ، ومفرق الأحزاب ، أربطهم عنانا ، وأثبتهم جنانا ، وأمضاهم عزيمة ، وأشدهم شكيمة ، أسد باسل ، يطحنهم في الحروب إذا ازدلفت الأسنة ، وقربت الأعنة ، طحن الرحا ويذروهم فيها ذرو الريح الهشيم ، ليث الحجاز ، وكبش العراق ، مكي مدني خيفي عقبي بدري أحدي شجري مهاجري ، من العرب سيدها ، ومن الوغى ليثها ، وارث المشعرين وأبو السبطين : الحسن والحسين ، ذاك جدي علي بن أبي طالب ثم قال :
أنا ابن فاطمة الزهراء ، أنا ابن سيدة النساء ، فلم يزل يقول : أنا أنا ، حتى ضج الناس بالبكاء والنحيب ، وخشي يزيد لعنه الله أن يكون فتنة فأمر المؤذن فقطع عليه الكلام فلما قال المؤذن الله أكبر الله أكبر قال علي : لا شئ أكبر من الله ، فلما قال : أشهد أن لا إله إلا الله ، قال علي بن الحسين : شهد بها شعري وبشري ولحمي ودمي ، فلما قال المؤذن أشهد أن محمدا رسول الله التفت من فوق المنبر إلى يزيد فقال : محمد هذا جدي أم جدك يا يزيد ؟ فان زعمت أنه جدك فقد كذبت وكفرت ، وإن زعمت أنه جدي فلم قتلت عترته ؟ بحار الانوار ج 45 ص 137
حديثه مع يزيد :
قال أبو الفرج: ثم دعا يزيد - لعنه الله - بعلي بن الحسين ع فقال . ما اسمك ؟ فقال علي ابن الحسين ، قال . أو لم يقتل الله علي بن الحسين قال : قد كان لي أخ أكبر مني يسمى عليا فقتلتموه . قال . بل الله قتله قال علي : الله يتوفى الأنفس حين موتها قال له يزيد . وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم فقال علي . ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل ان نبرأها إن ذلك على الله يسير . لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور .
قال . فوثب رجل من أهل الشام فقال . دعني اقتله فألقت زينب نفسها عليه . فقام رجل آخر فقال . يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية اتخذها أمة . قال . فقالت له زينب : لا ولا كرامة ، ليس لك ذلك ولا له إلا أن يخرج من دين الله . فصاح به يزيد . اجلس . فجلس وأقبلت زينب عليه وقالت : يا يزيد حسبك من دمائنا .
وقال علي بن الحسين ع إن كان لك بهؤلاء النسوة رحم ، واردت قتلي فابعث معهن أحدا يؤديهن . فرق له وقال : لا يؤديهن غيرك . ثم امره أن يصعد المنبر فيخطب فيعذر إلى الناس مما كان من أبيه فصعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه وقال : أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا اعرفه بنفسي ، أنا علي بن الحسين انا ابن البشير النذير ، أنا ابن الداعي إلى الله بإذنه ، أنا ابن السراج المنير . وهي خطبة طويلة كرهت آلاء كثار بذكرها وذكر نظائرها .
ثم أمره يزيد بالشخوص إلى المدينة مع النسوة من أهله وسائر بني عمه فانصرف بهم . مقاتل الطالبيين، 80
خطبته في المدينة المنورة :
قال بشير بن حذلم : فلما قربنا منها نزل علي بن الحسين عليهما السلام فحط رحله ، وضرب فسطاطه وأنزل نساءه وقال : يا بشير ! رحم الله أباك لقد كان شاعرا فهل تقدر على شئ منه ؟ قلت : بلى يا ابن - رسول الله إني لشاعر قال : فادخل المدينة وانع أبا عبد الله ، قال بشير : فركبت فرسي وركضت حتى دخلت المدينة فلما بلغت مسجد النبي صلى الله عليه وآله رفعت صوتي بالبكاء وأنشأت أقول :
يا أهل يثرب لا مقام لكم بها * قتل الحسين فأدمعي مدرار الجسم منه بكربلاء مضرج * والرأس منه على القناة يدار قال : ثم قلت : هذا علي بن الحسين مع عماته وأخواته قد حلوا بساحتكم ونزلوا بفنائكم ، وأنا رسوله إليكم أعرفكم مكانه ، فما بقيت في المدينة مخدرة ولا محجبة إلا برزن من خدورهن مكشوفة شعورهن مخمشة وجوههن ، ضاربات خدودهن ، يدعون بالويل والثبور ، فلم أر باكيا أكثر من ذلك اليوم ولا يوما أمر على المسلمين منه ، وسمعت جارية تنوح على الحسين فتقول :
نعى سيدي ناع نعاه فأوجعا * وأمرضني ناع نعاه فأفجعا
فعيني جودا بالدموع وأسكبا * وجودا بدمع بعد دمعكما معا
على من دهى عرش الجليل فزعزعا * فأصبح هذا المجد والدين أجدعا
على ابن نبي الله وابن وصيه * وإن كان عنا شاحط الدار أشسعا
ثم قالت : أيها الناعي جددت حزننا بأبي عبد الله وخدشت منا قروحا لما
تندمل ، فمن أنت رحمك الله ؟ فقلت : أنا بشير بن حذلم وجهني مولاي علي بن الحسين عليهما الصلاة والسلام وهو نازل في موضع كذا وكذا مع عيال أبي عبد الله ونسائه ، قال : فتركوني مكاني وبادروا فضربت فرسي حتى رجعت إليهم فوجدت الناس قد أخذوا الطرق والمواضع فنزلت عن فرسي وتخطيت رقاب الناس حتى قربت من باب الفسطاط وكان علي بن الحسين عليهما السلام داخلا ومعه خرقة يمسح بها دموعه ، وخلفه خادم معه كرسي فوضعه له وجلس عليه ، وهو لا يتمالك من العبرة وارتفعت أصوات الناس بالبكاء ، وحنين الجواري والنساء ، والناس من كل ناحية يعزونه فضجت تلك البقعة ضجة شديدة فأومأ بيده أن : اسكتوا ، فسكنت فورتهم فقال عليه السلام :
الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ، بارئ الخلائق أجمعين الذي بعد فارتفع في السماوات العلى ، وقرب فشهد النجوى ، نحمده على عظائم الأمور ، وفجائع الدهور ، وألم الفجائع ، ومضاضة اللواذع ، وجليل الرزء وعظيم المصائب الفاضعة ، الكاظة الفادحة الجائحة أيها الناس إن الله وله الحمد - ابتلانا بمصائب جليلة ، وثلمة في الاسلام عظيمة ، قتل أبو عبد الله وعترته ، وسبي نساؤه وصبيته ، وداروا برأسه في البلدان من فوق عامل السنان ، وهذه الرزية التي لا مثلها رزية أيها الناس ! فأي رجالات منكم يسرون بعد قتله ؟ أم أية عين منكم تحبس دمعها وتضن عن انهمالها ، فلقد بكت السبع الشداد لقتله ، وبكت البحار بأمواجها والسماوات بأركانها ، والأرض بأرجائها ، والأشجار بأغصانها ، والحيتان ولجج البحار والملائكة المقربون ، وأهل السماوات أجمعون أيها الناس أي قلب لا ينصدع لقتله ، أم أي فؤاد لا يحن إليه ، أم أي سمع يسمع هذه الثلمة التي ثلمت في الاسلام أيها الناس أصبحنا مطرودين مشردين مذودين شاسعين عن الأمصار كأنا أولاد ترك وكابل ، من غير جرم اجترمناه ، ولا مكروه ارتكبناه ، ولا ثلمة في الاسلام ثلمناها ، ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين ، إن هذا إلا اختلاق والله لو أن النبي تقدم إليهم في قتالنا كما تقدم إليهم في الوصاءة بنا لما ازدادوا على ما فعلوا بنا ، فان الله وإنا إليه راجعون ، من مصيبة ما أعظمها ، وأوجعها وأفجعها ، وأكظها ، وأفظها ، وأمرها ، وأفدحها ؟ فعند الله نحتسب فيما أصابنا وما بلغ بنا إنه عزيز ذو انتقام قال : فقام صوحان بن صعصعة بن صوحان ، وكان زمنا فاعتذر إليه صلوات الله عليه بما عنده من زمانة رجليه فأجابه بقبول معذرته ، وحسن الظن فيه وشكر له وترحم على أبيه بحار الانوار، ج45، ص147-149
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الإمام زين العابدين (عليه السلام) © 2025