المواقف

موقفه من بني أمية :

اتخذ الإمام عليه السلام موقفا حكيما من يزيد - وهو من أعتى طغاة بني أمية وأخبثهم، وأبعدهم عن كل معاني الدين والإنسانية والمروءة وحتى السياسة – فكان موقف الإمام عليه السلام منه فذا، فلم يدع له مبررا للقضاء عليه، مع أنه واجهه بكل الحقيقة التي لا يتحملها الطغاة، بل أجبره على إطلاق سراح الأسرى من آل محمد، وذلك بما صنعه الإمام عليه السلام من أجواء لمثل هذا الإجراء.

وبعد أن قضى الإمام السجاد عليه السلام عمرا في تطبيق خططه القويمة في معارضة الدسائس التي كان يضعها الحكام من بني أمية ضد الدين وأهله، وفضحها، وحاول أن يبني ما كانوا يهدمونه، ويهدم ما كانوا يبنونه، وصد ما يحاولونه.

وبعد تعزيز الموقع والمكانة لوجوده الشريف بين الأمة، سواء من كان من أتباعه أو من عامة الناس، لم يكن للحكام أن يتعرضوا للإمام عليه السلام من دون أن يكشفوا عن وجوههم أغطية التزوير، وأقنعة الدجل، والكفر، والنفاق.

فالإمام الذي ذاع صيته في الآفاق بالكرامة، والإمامة، والسيادة والشرف، والتقى والعلم والحلم والعبادة والزهد، أضف إلى ذلك حنانه وعطفه على الأمة ورعايته لشؤونها، قد دخل أعماق القلوب، وأصبح له من الاحترام والتقدير ما لا يكون من مصلحة الحكام التعرض له بأذى.

كما يبدو أن الإمام عليه السلام بعد أن استنفذ أغراضه من خططه، وعلم بأن الدولة الأموية وحكامها الحاقدين على الإسلام ورجاله وخاصة من أهل البيت عليهم السلام، سوف يقضون على حياته إن عاجلا أو آجلا، إن خفية أو علنا، بدأ العمل الهجومي عليهم.

فكان يفرغ ما بقي في كنانته من السهام على هيكل الحكم الأموي الفاسد، والذي بدأ التنازل عن كثير من المواقع الاسترأتىجية التي كان يحتلها، فقام الإمام عليه السلام بالإشهار بهم، من خلال أعمال أصدق ما يقال فيها أنها الاستفزاز والتحرش السياسي.

ومواقفه من عبد الملك بن مروان:

قد رأينا أن الأمويين بكل مرافق أجهزتهم، كانوا يرون من الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام خيرا لا شر فيه.

وقد كانت علاقة مروان بن الحكم الأموي، بالخصوص، طيبة مع الإمام عليه السلام لما أبداه الإمام تجاهه من رعاية، أيام وقعة الحرة، وكان مروان شاكرا للإمام عليه السلام هذه المكرمة.

وطبيعي أن يعرف عبد الملك بن مروان، للإمام زين العابدين عليه السلام هذه اليد والمكرمة ولذلك نراه، لما ولي الخلافة، يكتب إلى واليه على المدينة الحجاج الثقفي السفاك يقول: أما بعد:

فانظر دماء بني عبد المطلب فاحتقنها واجتنبها، فإني رأيت آل أبي سفيان لما ولغوا فيها لم يلبثوا إلا قليلا. والسلام. كشف الغمة ط. ق، ج2، ص112

لكن الإمام عليه السلام لم يمر بهذه الرسالة بشكل طبيعي، بل بادر إلى إرسال كتاب إلى عبد الملك، يقول فيه: بسم الله الرحمن الرحيم

. . . أما بعد: فإنك كتبت يوم كذا وكذا، من ساعة كذا وكذا، من شهر كذا وكذا، بكذا وكذا.

وإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنبأني وأخبرني، وأن الله قد شكر لك ذلك وثبت ملكك، وزاد فيه برهة . جهاد الامام السجاد، ص207

موقفه من بعض علمائهم :

ان الامام حذر الأمة من الارتباط بمن لا يدعو إلى الله والحق ، ومن الاستماع إليهم ، وهم دعاة السوء ، وأدعياء العلم ، من علماء البلاط ، الذين ركنوا إلى الظالمين وآزروهم . وقد كان عليه السلام يدأب على تربية الأمة وتهذيبها ، وتقديم الإرشادات إليها ، وتجلى ذلك في وصاياه المأثورة التي جمعت بين معالم الهداية والحكمة ، ووسائل الحذر والوقاية ، وبث الأمل والقوة ، وبعث النشاط والهمة في نفوس أصحابه :

ففي رسالته إليهم يقول عليه السلام :

بسم الله الرحمن الرحيم :

كفانا الله وإياكم كيد الظالمين ، وبغي الحاسدين ، وبطش الجبارين .

أيها المؤمنون ، لا يفتنكم الطواغيت وأتباعهم من أهل الرغبة في هذه الدنيا ، المائلون إليها ، المفتنون بها ، المقبلون عليها ، وعلى حطامها الهامد ، وهشيمها البائد غدا فاحذروا ما حذركم الله منها ، وأزهدوا في ما زهدكم الله فيه منها .

ولا تركنوا إلى ما في هذه الأمور ركون من اتخذها دار قرار ومنزل استيطان . والله ! إن لكم مما فيها لدليلا ، وتنبيها ، من تصرف أيامها ، وتغير انقلابها ومثلاتها ، وتلاعبها بأهلها ، إنها لترفع الخميل ، وتضع الشريف ، وتورد أقواما إلى النار غدا ، ففي هذا معتبر ومختبر وزاجر لمنتبه .

إن الأمور الواردة عليكم في كل يوم وليلة من مضلات الفتن ، وحوادث البدع ، وسنن الجور ، وبوائق الزمان ، وهيبة السلطان ، ووسوسة الشيطان ، لتثبط القلوب عن تنبهها ، وتذهلها عن موجود الهدى ، ومعرفة أهل الحق إلا قليلا ممن عصم الله ، فليس يعرف تصرف أيامها وتقلب حالاتها ، وعاقبة ضرر فتنتها إلا من عصم الله ، ونهج سبيل الرشد ، وسلك طريق القصد ، ثم استعان على ذلك بالزهد ، فكرر الفكر ، واتعظ بالعبر فازدجر ، وزهد في عاجل بهجة الدنيا ، وتجافى عن لذاتها ، ورغب في دائم نعيم الآخرة ، وسعى لها سعيها ، وراقب الموت ، وشنأ الحياة مع القوم الظالمين ، ونظر إلى ما في الدنيا بعين نيرة حديدة النظر ، وأبصر حوادث الفتن ، وضلال البدع ، وجور الملوك الظلمة . فقد - لعمري - استدبرتم الأمور الماضية في الأيام الخالية من الفتن المتراكمة ، والانهماك فيها ، ما تستدلون به على تخيب الغواة وأهل البدع ، والبغي ، والفساد في الأرض ، بغير الحق .

فاستعينوا بالله ، وارجعوا إلى طاعة الله ، وطاعة من هو أولى بالطاعة ممن اتبع فأطيع . فالحذر ، الحذر ، من قبل الندامة والحسرة والقدوم على الله ، والوقوف بين يديه . وتالله ! ما صدر قوم قط عن معصية الله إلا إلى عذابه ، وما آثر قوم - قط - الدنيا على الآخرة ، إلا ساء منقلبهم ، وساء مصيرهم .

وما العلم بالله والعمل بطاعته إلا إلفان مؤتلفان ، فمن عرف الله خافه ، وحثه الخوف على العمل بطاعة الله .

وإن أرباب العلم وأتباعهم الذين عرفوا الله فعملوا له ، ورغبوا إليه ، فقد قال الله : * ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) * [ فاطر ( 35 ) الآية : 4 ] .

فلا تلتمسوا شيئا مما في هذه الدنيا بمعصية الله ، واشتغلوا في هذه الدنيا بطاعة الله ، واغتنموا أيامها ، واسعوا لما فيه نجاتكم من عذاب الله ، فإن ذلك أقل للتبعة ، وأدنى من العذر ، وأرجى للنجاة .

فقدموا أمر الله ، وطاعة من أوجب الله طاعته ، بين يدي الأمور كلها ، ولا تقدموا الأمور الواردة عليكم من الطواغيت ، من زهرة الدنيا ، بين يدي أمر الله وطاعته وطاعة أولي الأمر منكم .

واعلموا أنكم عبيد الله ، ونحن معكم ، يحكم علينا وعليكم سيد غدا ، وهو موقفكم ، ومسائلكم ، فأعدوا الجواب قبل الوقوف والمسألة والعرض على رب العالمين . واعلموا أن الله لا يصدق كاذبا ، ولا يكذب صادقا ، ولا يرد عذر مستحق ، ولا يعذر غير معذور ، له الحجة على خلقه بالرسل والأوصياء .

فاتقوا الله - عباد الله - واستقبلوا في إصلاح أنفسكم طاعة الله ، وطاعة من تولونه فيها ، لعل نادما قد ندم في ما فرط بالأمس في جنب الله ، وضيع من حقوق الله .

فاستغفروا الله ، وتوبوا إليه ، فإنه يقبل التوبة ، ويعفو عن السيئة ، ويعلم ما تفعلون . وإياكم ، وصحبة العاصين ، ومعونة الظالمين ، ومجاورة الفاسقين ، احذروا فتنتهم ، وتباعدوا من ساحتهم .

واعلموا أنه من خالف أولياء الله ، ودان بغير دين الله ، واستبد بأمره دون ولي الله كان في نار تلهب ، تأكل أبدانا قد غاب عنها أرواحها ، وغلبت عليها شقوتها ، فهم موتى لا يجدون حر النار ، ولو كانوا أحيأءا لوجدوا مضض حر النار .

فاعتبروا يا أولي الأبصار واحمدوا الله على ما هداكم ، واعلموا أنكم لا تخرجون من قدرة الله إلى غير قدرته ، وسيرى الله عملكم ورسوله ، ثم إليه تحشرون . وانتفعوا بالعظة . وتأدبوا بآداب الصالحين جهاد الامام السجاد، ص123-126

موقفه في سك العملة :

وأول من ضرب الدراهم في الإسلام عبد الملك بن مروان سنة خمس وسبعين من الهجرة، وكان السبب في ذلك: أن القرطاس كان يحمل إلى الروم، وكان يكتب على عنوانه: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فشق ذلك على صاحب الروم لما كان كافراً ؛ فكتب إلى عبد الملك: أما أن تزيلوا ما تكتبون على القرطاس، أو يأتيكم على الدراهم ما تكرهون. فتحير عبد الملك في الجواب ؛ فاستحضر علي بن الحسين زين العابدين ؛ فاستشاره في ذلك. فقال: حرم التبايع إلا بما تضربه من الدراهم، فبطل بذلك كيد صاحب الروم. فأمر أن يكتب عليها ﴿ قل هو الله أحد ﴾ إلى آخر السورة غيظاً للروم

وقد صرح بذلك الشهيد رحمه الله في البيان، في باب زكاة النقدين، حيث قال: والدنانير في الدينار بزنة المثقال، وهو لم يختلف في الإسلام ولا قبله، وفي الدرهم: ما استقر عليه في زمن بني أمية بإشارة زين العابدين الخ البيان، الشهيد الأول ص202

موقفه مع فقراء المدينة :

كان الإمام زين العابدين عليه السلام يتعامل مع فقراء المدينة بكل رعاية وعطف، حيث كان يحرص على إخفاء هويته عند تقديم الصدقات لهم، وكان يحمل الطعام والحطب على ظهره ليلاً ويوصله إلى بيوتهم، وكان يعيل مائة عائلة من فقراء المدينة، وكان أهل المدينة يقولون: ما فقدنا صدقة السر حتى مات علي بن الحسين عليه السلام

روى ابن شهر آشوب: ومما جاء في صدقته عليه السلام ما روي في الحلية وشرف النبي والأغاني وعن محمد بن إسحاق بالاسناد عن الثمالي، وعن الباقر عليه السلام إنه كان علي بن الحسين عليه السلام يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل فيتصدق به، قال أبو حمزة الثمالي وسيفان الثوري كان عليه السلام يقول: إن صدقة السر تطفئ غضب الرب بحار الانوار ج46 ص 88

وفي رواية محمد بن إسحاق : انه كان في المدينة كذا وكذا بيتا يأتيهم رزقهم وما يحتاجون إليه لا يدرون من أين يأتيهم ، فلما مات زين العابدين فقدوا ذلك ، فصرخوا صرخة واحدة مناقب آل ابي طالب ج3 ص 293

وفي خبر: أنه كان إذا جنه الليل، وهدأت العيون قام إلى منزله، فجمع ما يبقى فيه عن قوت أهله، وجعله في جراب ورمى به على عاتقه وخرج إلى دور الفقراء وهو متلثم، ويفرق عليهم، وكثيرا ما كانوا قياما على أبوابهم ينتظرونه فإذا رأوه تباشروا به، وقالوا: جاء صاحب الجراب.

موقفه مع ابن عمه عندما تعرض له بسوء :

من الأُمور المهمّة التي كانت واضحة في سيرة الإمام زين العابدين (عليه السلام) التأكيد على الأخلاقيات، ومنها: العفو عن الآخرين لدى إساءتهم، وعدم الردّ بالمثل ففي دعائه المعروف بـدعاء (مكارم الأخلاق) يقول: (اللهمّ صلّ على محمّد وآله، وحلّني بحلية الصالحين، وألبسني زينة المتّقين، في بسط العدل، وكظم الغيظ، وإطفاء النائرة، وضمّ أهل الفرقة، وإصلاح ذات البين، وإفشاء العارفة، وستر العائبة، ولين العريكة، وخفض الجناح).

ونال منه الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب فلم يكلمه ، ثم أتى منزله وصرخ به فخرج الحسن متوثبا للشر ، فقال ( ع ) : يا أخي إن كنت قلت ما في فاستغفر الله منه وإن كنت قلت ما ليس في يغفر الله لك ، فقبل الحسن ما بين عينيه وقال : بلى قلت ما ليس فيك وأنا أحق به . مناقب آل ابي طالب ج3 ص 296

موقفه من عمه محمد بن الحنفية :

رجع بعض الشيعة بعد استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) إلى محمد بن أمير المؤمنين (عليه السلام) المعروف بمحمّد بن الحنفية، وهو أكبر أولاد الإمام علي (عليه السلام) بعد الحسن والحسين (عليهما السلام)، ولكن الامام زين العابدين لجأ في اثبات امامته بالأدلة الحقة والبراهين التي لا شك فيها وانه الامام بعد ابيه الحسين عليه السلام.

روي عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال : لما قتل الحسين بن علي عليه السلام أرسل محمد بن الحنفية إلى علي بن الحسين عليه السلام فخلا به ثم قال :

يا بن أخي قد علمت أن رسول الله كان جعل الوصية والإمامة من بعده لعلي ابن أبي طالب عليه السلام ، ثم إلى الحسن ، ثم الحسين ، وقد قتل أبوك رضي الله عنه وصلى عليه ولم يوص ، وأنا عمك وصنو أبيك ، وأنا في سني وقدمتي أحق بها منك في حداثتك ، فلا تنازعني الوصية والإمامة ، ولا تخالفني .

فقال له علي بن الحسين عليه السلام : إتق الله ولا تدع ما ليس لك بحق ، إني أعظك أن تكون من الجاهلين ، يا عم ! إن أبي صلوات الله عليه أوصى إلي قبل أن يتوجه إلى العراق ، وعهد إلي في ذلك قبل أن يستشهد بساعة ، وهذا سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله عندي ، فلا تعرض لهذا فإني أخاف عليك بنقص العمر ، وتشتت الحال وأن الله تبارك وتعالى أبى إلا أن يجعل الوصية والإمامة إلا في عقب الحسين ، فإن أردت أن تعلم فانطلق بنا إلى الحجر الأسود حتى نتحكم إليه ونسأله عن ذلك .

قال الباقر عليه السلام : وكان الكلام بينهما وهما يومئذ بمكة ، فانطلقا حتى أتيا الحجر الأسود فقال علي بن الحسين عليه السلام لمحمد :

ابتدء فابتهل إلى الله واسأله أن ينطق لك الحجر ثم سله . فابتهل محمد في الدعاء وسأل الله ثم دعا الحجر فلم يجبه ، فقال علي بن الحسين عليه السلام :

أما أنك يا عم لو كنت وصيا وإماما لأجابك !

فقال له محمد : فادع أنت يا بن أخي ! فدعا الله علي بن الحسين عليه السلام بما أراد ثم قال : ( أسألك بالذي جعل فيك ميثاق الأنبياء وميثاق الأوصياء وميثاق الناس أجمعين ، لما أخبرتنا بلسان عربي مبين من الوصي والإمام بعد الحسين بن علي !

فتحرك الحجر حتى كاد أن يزول عن موضعه ، ثم أنطقه الله بلسان عربي مبين فقال :

اللهم إن الوصية والإمامة بعد الحسين بن علي بن أبي طالب إلى علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، وابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ، فانصرف محمد وهو يتولى علي بن الحسين عليه السلام . الاحتجاج ج2 ص 46

موقفه من الثورات في عصره :

امتاز الامام علي بن الحسين (عليه السلام) بقوة الشخصية وبعد النظر فضلاً عن العلم والتقوى حتى عرف بـ زين العابدين ، حيث كرس حياته لإبراز خصائص الثورة الحسينية وتحقيق أهدافها في مواجهة المشروع الأموي الذي كان يشكل الخطر الأكبر على الاسلام.

لم يستجب الامام زين العابدين(ع) لدعوة أهل العراق أو غيرهم بالثورات، منها ثورة المدينة بقيادة عبد الله بن حنظلة الأنصاري الذي طرد آل أمية من المدينة. وبعدها ثورة مكة بقيادة عبد الله بن الزبير التي لم تنتهِ إلاّ بعد محاصرة مكة ورميها بالمنجنيق، ثم انفجرت ثورة التوابين بقيادة سليمان بن صرد الخزاعي تحت شعار وجوب التكفير عن ذنبهم لعدم نصرتهم الامام الحسين (ع).

وأخيراً جاءت ثورة المختار الثقفي الذي تتبَّع قتلة الامام الحسين (ع) فقتل منهم مائتين وثمانين رجلاً منهم عبيد الله بن زياد وعمر بن سعد والشمر بن ذي الجوشن.

لقد بيّن الامام السجاد (ع) ذلك واتخذ موقفاً حاسماً واضحاً تجاه كل هذه الثورات التي قامت ضد طغيان وانحراف بني أمية، خلال خطبته (عليه السّلام) أمام أهل الكوفة بعد استشهاد أبيه الإمام الحسين (عليه السّلام) قال رحم الله امرءا قبل نصيحتي ، وحفظ وصيتي في الله وفي رسوله ، وفي أهل بيته ، فإن لنا في رسول الله أسوة حسنة .

فقالوا بأجمعهم ؟ نحن كلنا يا بن رسول الله سامعون مطيعون حافظون لذمامك ، غير زاهدين فيك ، ولا راغبين عنك ، فمرنا بأمرك رحمك الله فإنا حرب لحربك ، سلم لسلمك ، لنأخذن ترتك وترتنا ، عمن ظلمك وظلمنا .

فقال علي بن الحسين عليه السلام : هيهات هيهات ! ! أيها الغدرة المكرة ، حيل بينكم وبين شهوات أنفسكم ، أتريدون أن تأتوا إلي كما أتيتم إلى آبائي من قبل كلا ورب الراقصات إلى منى ، فإن الجرح لما يندمل ! ! قتل أبي بالأمس ، وأهل بيته معه ، فلم ينسني ثكل رسول الله صلى الله عليه وآله ، وثكل أبي وبني أبي وجدي شق لهازمي ، ومرارته بين حناجري وحلقي ، وغصصه تجري في فراش صدري . ومسألتي أن لا تكونوا لنا ولا علينا ... الاحتجاج ج2 ص 32

موقفه مع الغزالة :

عن أبي جعفر عليه السلام قال : إن أبي خرج إلى ماله ومعنا ناس من مواليه وغيرهم فوضعت المائدة ليتغذى وجاء ظبي وكان منه قريبا ، فقال له : يا ظبي أنا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وأمي فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله هلم إلى هذا الغذاء ، فجاء الظبي حتى أكل معهم ما شاء الله أن يأكل ، ثم تنحى الظبي فقال بعض غلمانه : رده علينا ، فقال لهم : لا تخفروا ذمتي ؟ قالوا : لا ، فقال له : يا ظبي أنا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وأمي فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله هلم إلى هذا الغذاء وأنت آمن في ذمتي ، فجاء الظبي حتى قام على المائدة فأكل معهم فوضع رجل من جلسائه يده على ظهره فنفر الظبي ، فقال علي بن الحسين عليهما السلام : أخفرت ذمتي ؟ لا كلمتك كلمة أبدا . 43بحار الانوار، ج46، ص

عند سقوط ولده في البئر :

كتاب الأنوار انه ( ع ) كان قائما يصلي حتى وقف ابنه محمد ( ع ) وهو طفل إلى بئر في داره بالمدينة بعيدة القعر فسقط فيها فنظرت إليه أمه فصرخت وأقبلت نحو البئر تضرب بنفسها حذاء البئر وتستغيث وتقول : يا ابن رسول الله غرق ولدك محمد ، وهو لا ينثني عن صلاته وهو يسمع اضطراب ابنه في قعر البئر ، فلما طال عليها ذلك قالت حزنا على ولدها : ما أقسى قلوبكم يا آل بيت رسول الله فأقبل على صلاته ولم يخرج عنها إلا عن كمالها وإتمامها ، ثم أقبل عليها وجلس على أرجاء البئر ومد يده إلى قعرها وكانت لا تنال إلا برشأ طويل فأخرج ابنه محمدا ( ع ) على يديه يناغي ويضحك لم يبتل له ثوب ولا جسد بالماء فقال : هاك يا ضعيفة اليقين بالله فضحكت لسلامة ولدها ، وبكت لقوله : يا ضعيفة اليقين بالله ، فقال : لا تثريب عليك اليوم لو علمت اني كنت بين يدي جبار لو ملت بوجهي عنه لمال بوجهه عني ، أفمن يرى راحما بعده . المناقب، ج3، ص278

موقفه من الأفكار المنحرفة عصره

حارب الإمام زين العابدين عليه السلام الفرق والمذاهب المنحرفة التي ظهرت في عصره، مثل المشبهة والمجسمة، الذين كانوا يصفون الله تعالى بصفات لا تليق به.

وانتقد الإمام الزهاد المتظاهرين بالزهد والعزلة، والذين كانوا يدعون الناس إلى الانزواء والابتعاد عن الحياة الاجتماعية، حيث كان يدعو إلى المشاركة الفعالة في المجتمع والعمل على إصلاحه.

سعى إلى كشف الأقنعة المزيفة التي كان يرتديها بعض فقهاء السلطة ووعاظ السلاطين، والذين كانوا يبررون أفعال الحكام الظالمين باسم الدين، و كان اهتمام الإمام السجاد (عليه السلام) بليغاً بهذا الأمر فقد قيل : شاجره بعض الناس في مسألة من الفقه ، فقال عليه السلام : يا هذا لو صرت إلى منازلنا لأريناك آثار جبرئيل في رحالنا ، أفيكون أحد أعلم بالسنة منا نزهة الناظر ص94

وقال عليه السلام : إن دين الله عز وجل لا يصاب بالعقول الناقصة والآراء الباطلة والمقائيس الفاسدة ، ولا يصاب إلا بالتسليم ، فمن سلم لنا سلم ، ومن اقتدى بنا هدى ، ومن كان يعمل بالقياس والرأي هلك ، ومن وجد في نفسه شيئا مما نقوله أو نقضي به حرجا كفر بالذي أنزل السبع المثاني والقرآن العظيم وهو لا يعلم كمال الدين، ص 324

موقفه مع الحجاج في بناء الكعبة :

روى محمد بن يعقوب عن عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن أبي عمير ، عن أبي علي صاحب الأنماط ، عن أبان بن تغلب قال : لما هدم الحجاج الكعبة فرق الناس ترابها فلما صاروا إلى بنائها فأرادوا أن يبنوها خرجت عليهم حية فمنعت الناس البناء حتى هربوا فأتوا الحجاج فأخبروه فخاف أن يكون قد منع بناءها فصعد المنبر ثم نشد الناس وقال : أنشد الله عبدا عنده مما ابتلينا به علم لما أخبرنا به ، قال : فقام إليه شيخ فقال : إن يكن عند أحد علم فعند رجل رأيته جاء إلى الكعبة فأخذ مقدارها ثم مضى فقال الحجاج : من هو ؟ قال : علي بن الحسين ( عليهما السلام ) فقال :

معدن ذلك فبعث إلى علي ابن الحسين صلوات الله عليهما فأتاه فأخبره ما كان من منع الله إياه البناء ، فقال له علي بن الحسين ( عليهما السلام ) : يا حجاج عمدت إلى بناء إبراهيم وإسماعيل فألقيته في الطريق وانتهبته كأنك ترى أنه تراث لك اصعد المنبر وأنشد الناس أن لا يبقى أحد منهم أخذ منه شيئا إلا رده ، قال : ففعل فأنشد الناس أن لا يبقى منهم أحد عنده شئ إلا رده قال : فردوه فلما رأى جمع التراب أتى علي بن الحسين صلوات الله عليهما فوضع الأساس وأمرهم أن يحفروا قال : فتغيبت عنهم الحية وحفروا حتى انتهوا إلى موضع القواعد ، قال لهم علي بن الحسين ( عليهما السلام ) : تنحوا فتنحوا فدنا منها فغطاها بثوبه ثم بكى ثم غطاها بالتراب بيد نفسه ثم دعا الفعلة فقال : ضعوا بناء كم ، فوضعوا البناء فلما ارتفعت حيطانها أمر بالتراب فقلب فألقى في جوفه فلذلك صار البيت مرتفعا يصعد إليه بالدرج . الكافي، ج4، ص222

موقفه مع الحسن البصري :

روي أن زين العابدين عليه السلام مر بالحسن البصري وهو يعظ الناس بمنى فوقف عليه السلام عليه ثم قال :

امسك أسألك عن الحال التي أنت عليها مقيم ، أترضاها لنفسك فيما بينك وبين الله إذا نزل بك غدا ؟

قال : لا .

قال : أفتحدث نفسك بالتحول والانتقال عن الحال التي لا ترضاها لنفسك إلى الحال التي ترضاها ؟ ( قال ) : فأطرق مليا ثم قال : إني أقول ذلك بلا حقيقة .

قال : أفترجو نبيا بعد محمد صلى الله عليه وآله يكون لك معه سابقة ؟

قال : لا .

قال : أفترجو دارا غير الدار التي أنت فيها ترد إليها فتعمل فيها ؟

قال : لا .

قال : أفرأيت أحدا به مسكة عقل رضي لنفسه من نفسه بهذا ؟ إنك على حال لا ترضاها ولا تحدث نفسك بالانتقال إلى حال ترضاها على حقيقة ، ولا ترجو نبيا بعد محمد ، ولا دار غير الدار التي أنت فيها فترد إليها فتعمل فيها ، وأنت تعظ الناس ، قال : فلما ولى عليه السلام قال الحسن البصري : من هذا ؟

قالوا : علي بن الحسين .

قال : أهل بيت علم فما رأي الحسن البصري بعد ذلك يعظ الناس . الاحتجاج، ج2 ص43

موقفه مع عبد الملك في الطواف :

حج هشام بن عبد الملك فلم يقدر على الاستلام من الزحام ، فنصب له منبر فجلس عليه وأطاف به أهل الشام فبينما هو كذلك إذ أقبل علي بن الحسين عليه السلام وعليه إزار ورداء ، من أحسن الناس وجها وأطيبهم رائحة ، بين عينيه سجادة كأنها ركبة عنز ، فجعل يطوف فإذا بلغ إلى موضع الحجر تنحى الناس حتى يستلمه هيبة له ، فقال شامي : من هذا يا أمير المؤمنين ؟ فقال : لا أعرفه ، لئلا يرغب فيه أهل الشام فقال الفرزدق وكان حاضرا :

لكني أنا أعرفه ، فقال الشامي : من هو يا أبا فراس ؟ فأنشأ قصيدة ذكر بعضها في الأغاني ، والحلية ، والحماسة ، والقصيدة بتمامها هذه :

يا سائلي أين حل الجود والكرم ؟ * عندي بيان إذا طلابه قدموا

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحل والحرم

هذا ابن خير عباد الله كلهم * هذا التقي النقي الطاهر العلم

هذا الذي أحمد المختار والده * صلى عليه إلهي ما جرى القلم

لو يعلم الركن من قد جاء * يلثمه لخر يلثم منه ما وطئ القدم

هذا علي رسول الله والده * أمست بنور هداه تهتدي الأمم

هذا الذي عمه الطيار جعفر * والمقتول حمزة ليث حبه قسم

هذا ابن سيدة النسوان فاطمة * وابن الوصي الذي في سيفه نقم

إذا رأته قريش قال قائلها * إلى مكارم هذا ينتهي الكرم

يكاد يمسكه عرفان راحته * ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم

وليس قولك : من هذا ؟ بضائره * العرب تعرف من أنكرت والعجم

ينمى إلى ذروة العز التي قصرت * عن نيلها عرب الاسلام والعجم

يغضي حياءا ويغضى من * مهابته فما يكلم إلا حين يبتسم

ينجاب نور الدجى عن نور * غرته كالشمس ينجاب عن إشراقها الظلم

بكفه خيزران ريحه عبق * من كف أروع في عرنينه شمم

ما قال : لا قط إلا في * تشهده لولا التشهد كانت لاؤه نعم

مشتقه من رسول الله نبعته * طابت عناصره والخيم والشيم

حمال أثقال أقوام إذا فدحوا * حلو الشمائل تحلو عنده نعم

إن قال قال بما يهوى جميعهم * وإن تكلم يوما زانه الكلم

هذا ابن فاطمة إن كنت * جاهله بجده أنبياء الله قد ختموا

الله فضله قدما وشرفه * جرى بذاك له في لوحه القلم

من جده دان فضل الأنبياء * له وفضل أمته دانت لها الأمم

عم البرية بالاحسان وانقشعت * عنها العماية والاملاق والظلم

كلتا يديه غياث عم نفعهما * يستو كفان ولا يعروهما عدم

سهل الخليقة لا تخشى بوادره * يزينه خصلتان : الحلم والكرم

لا يخلف الوعد ميمونا نقيبته * رحب الفناء أريب حين يعترم

من معشر حبهم دين وبغضهم * كفر وقربهم منجى ومعتصم

يستدفع السوء والبلوى بحبهم * ويستزاد به الاحسان والنعم

مقدم بعد ذكر الله ذكرهم في * كل فرض ومختوم به الكلم

إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم * أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم

لا يستطيع جواد بعد غايتهم * ولا يدانيهم قوم وإن كرموا

هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت * والأسد أسد الشرى والبأس محتدم

يأبى لهم أن يحل الذم ساحتهم * خيم كريم وأيد بالندى هضم

لا يقبض العسر بسطا من أكفهم * سيان ذلك إن أثروا وإن عدموا

أي القبائل ليست في * رقابهم لأولية هذا أوله نعم ؟

من يعرف الله يعرف أولية * ذا فالدين من بيت هذا ناله الأمم

بيوتهم في قريش يستضاء بها في النائبات وعند الحكم أن حكموا

فجده من قريش في أرومتها محمد وعلي بعده علم بدر له شاهد والشعب من أحد والخندقان ويوم الفتح قد علموا وخيبر وحنين يشهدان له وفي قريضة يوم صيلم قتم

مواطن قد علت في كل نائبة على الصحابة لم أكتم كما كتموا فغضب هشام ومنع جائزته وقال : ألا قلت فينا مثلها ؟ قال : هات جدا كجده وأبا كأبيه واما كأمه حتى أقول فيكم مثلها ، فحبسوه بعسفان بين مكة والمدينة فبلغ ذلك علي بن الحسين عليه السلام فبعث إليه باثني عشر ألف درهم وقال : اعذرنا يا أبا فراس ، فلو كان عندنا أكثر من هذا لوصلناك به ، فردها وقال : يا ابن رسول - الله ما قلت الذي قلت إلا غضبا لله ولرسوله ، وما كنت لأرزأ عليه شيئا ، فردها إليه وقال : بحقي عليك لما قبلتها فقد رأى الله مكانك وعلم نيتك ، فقبلها ، فجعل الفرزدق يهجو هشاما وهو في الحبس . بحار الانوار، ج46، ص 124-127

رد عبد الملك صدقات النبي (صلى الله عليه واله) الى الامام عليه السلام :

يروى أن عمر بن علي خاصم علي بن الحسين عليه السلام إلى عبد الملك في صدقات النبي صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام فقال : يا أمير المؤمنين أنا ابن المصدق وهذا ابن ابن فأنا أولى بها منه ، فتمثل عبد الملك بقول ابن أبي الحقيق : لا تجعل الباطل حقا ولا تلط دون الحق بالباطل قم يا علي بن الحسين فقد وليتكها ، فقاما ، فلما خرجا تناوله عمر وآذاه فسكت عليه السلام عنه ولم يرد عليه شيئا ، فلما كان بعد ذلك دخل محمد بن عمر على علي ابن الحسين عليه السلام فسلم عليه وأكب عليه يقبله فقال علي : يا ابن عم لا تمنعني قطيعة أبيك أن أصل رحمك فقد زوجتك ابنتي خديجة ابنة علي بحار الانوار، ج46، ص113

موقفه ودعاؤه على مسرف بن عقبة :

الإرشاد : أبو محمد الحسن بن محمد ، عن جده ، عن داود بن القاسم ، عن الحسين بن زيد ، عن عمه عمر بن علي ، عن أبيه علي بن الحسين عليه السلام إنه كان يقول : لم أر مثل التقدم في الدعاء ، فإن العبد ليس تحضره الإجابة في كل وقت وكان مما حفظ عنه عليه السلام من الدعاء حين بلغه توجه مسرف بن عقبة إلى المدينة رب كم من نعمة أنعمت بها علي قل لك عندها شكري ، وكم من بلية ابتليتني بها قل لك عندها صبري ، فيا من قل عند نعمته شكري فلم يحرمني ، وقل عند بلائه صبري فلم يخذلني ، يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبدا ، ويا ذا النعماء التي لا تحصى عددا ، صل على محمد وآل محمد وادفع عني شره فاني أدرء بك في نحره وأستعيذ بك من شره فقدم مسرف بن عقبة المدينة وكان يقال لا يريد غير علي بن الحسين عليه السلام فسلم منه وأكرمه وحباه ووصله ، وجاء الحديث من غير وجه أن مسرف بن عقبة لما قدم المدينة أرسل إلى علي بن الحسين عليه السلام فأتاه فلما صار إليه قربه وأكرمه وقال له : أوصاني أمير المؤمنين ببرك وتمييزك من غيرك فجزاه خيرا ثم قال : أسرجوا له بغلتي وقال له : انصرف إلى أهلك فاني أرى أن قد أفزعناهم وأتعبناك بمشيك إلينا ، ولو كان بأيدينا ما نقوى به على صلتك بقدر حقك لوصلناك ، فقال له علي بن الحسين عليه السلام : ما أعذرني للأمير ، وركب ، فقال مسرف بن عقبة لجلسائه : هذا الخير الذي لا شر فيه مع موضعه من رسول الله صلى الله عليه وآله ومكانه منه بحار الانوار ج46 ص122

موقفه مع الزهري حين حمله عبد الملك من المدينة الى الشام :

مناقب ابن شهرآشوب: حلية الأولياء ، ووسيلة الملا ، وفضائل أبي السعادات ، بالاسناد عن ابن شهاب الزهري قال : شهدت علي بن الحسين يوم حمله عبد الملك بن مروان من المدينة إلى الشام فأثقله حديدا ووكل به حفاظا في عدة وجمع فاستأذنتهم في التسليم عليه والتوديع له فأذنوا ، فدخلت عليه والأقياد في رجليه والغل في يديه ، فبكيت وقلت : وددت اني مكانك وأنت سالم ، فقال : يا زهري أو تظن هذا بما ترى علي وفي عنقي يكربني ؟ أما لو شئت ما كان فإنه وإن بلغ بك ومن أمثالك ليذكرني عذاب الله ، ثم أخرج يديه من الغل ورجليه من القيد ثم قال : يا زهري لاجزت معهم على ذا منزلتين من المدينة ، فما لبثنا إلا أربع ليال حتى قدم الموكلون به يطلبونه بالمدينة فما وجدوه فكنت فيمن سألهم عنه فقال لي بعضهم : انا نراه متبوعا انا لنازل ونحن حوله لا ننام نرصده إذ أصبحنا فما وجدنا بين محمله إلا حديده ، فقدمت بعد ذلك على عبد الملك فسألني عن علي ابن الحسين فأخبرته فقال : انه قد جاءني في يوم فقده الأعوان فدخل علي فقال :

ما أنا وأنت ؟ فقلت : أقم عندي ، فقال : لا أحب ، ثم خرج فوالله لقد امتلأ ثوبي منه خيفة ، قال الزهري فقلت : ليس علي بن الحسين حيث تظن انه مشغول بنفسه ، فقال : حبذا شغل مثله فنعم ما شغل به . مناقب آل ابي طالب ج3 ص 275 -276

موقفه مع أبي حمزة الثمالي بشأن بكائه :

قال أبو نعيم : حدثنا عمر بن أحمد بن عثمان قال حدثنا عمر بن الحسن قال حدثنا عبد اللّه بن محمد بن عبيد قال حدثنا الحسين بن عبد الرحمن عن أبي حمزة الثمالي عن جعفر بن محمد . قال : سئل علي بن الحسين عن كثرة بكائه ، فقال : لا تلوموني فان يعقوب فقد سبطا من ولده فبكى حتى ابيضت عيناه ولم يعلم أنه مات . وقد نظرت إلى أربعة عشر رجلا من أهل بيتي في غزاة واحدة أفترون حزنهم يذهب من قلبي ؟ حلية الاولياء ج3 ص138

عتقه للعبيد :

إقبال الأعمال: بإسنادنا إلى الشيخ أبي محمد هارون بن موسى التلعكبري رضي الله عنه باسناده إلى محمد بن عجلان قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : كان علي بن الحسين عليه إذا دخل شهر رمضان لا يضرب عبدا له ولا أمة ، وكان إذا أذنب العبد والأمة يكتب عنده أذنب فلان ، أذنبت فلانة ، يوم كذا وكذا ، ولم يعاقبه فيجتمع عليهم الأدب .

حتى إذا كان آخر الليلة من شهر رمضان ، دعاهم وجمعهم حوله ، ثم أظهر الكتاب ثم قال : يا فلان فعلت كذا وكذا ولم أؤدبك أتذكر ذلك ؟ فيقول : بلى يا بن رسول الله ، حتى يأتي على آخرهم ويقررهم جميعا .

ثم يقول وسطهم ويقول لهم : ارفعوا أصواتكم وقولوا : يا علي بن الحسين إن ربك قد أحصى عليك كل ما عملت ، كما أحصيت علينا كل ما عملنا ، ولديه كتاب ينطق عليك بالحق ، ولا يغادر صغيرة ولا كبيرة مما أتيت إلا أحصاها ، وتجد كل ما عملت لديه حاضرا ، كما وجدنا كل ما عملنا لديك حاضرا ، واصفح كما ترجو من المليك العفو وكما تحب أن يعفو المليك عنك ، فاعف عنا تجده عفوا ، وبك رحيما ، ولك غفورا ، ولا يظلم ربك أحدا ، كما لديك كتاب ينطق علينا بالحق ، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة مما أتيناها إلا أحصاها .

فاذكر يا علي بن الحسين ذل مقامك بين يدي ربك الحكم العدل الذي لا يظلم مثقال حبة من خردل ، ويأتي بها يوم القيامة ، وكفى بالله حسيبا وشهيدا ، فاعف واصفح يعفو عنك المليك ويصفح ، فإنه يقول : ( وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم ) . قال : وهو ينادي بذلك على نفسه ويلقنهم ، وهم ينادون معه ، وهو واقف بينهم يبكي وينوح ، ويقول : رب إنك أمرتنا أن نعفو عمن ظلمنا فقد ظلمنا أنفسنا ، فنحن قد عفونا عمن ظلمنا ، كما أمرت ، فاعف عنا فإنك أولى بذلك منا ومن المأمورين ، وأمرتنا أن لا نرد سائلا عن أبوابنا ، وقد أتيناك سؤالا ومساكين ، وقد أنخنا بفنائك وببابك ، نطلب نائلك ومعروفك وعطاءك ، فامنن بذلك علينا ، ولا تخيبنا فإنك أولى بذلك منا ومن المأمورين ، إلهي كرمت فأكرمي ، إذ كنت من سؤالك ، وجدت بالمعروف فاخلطني بأهل نوالك يا كريم .

ثم يقبل عليهم ويقول : قد عفوت عنكم فهل عفوتم عني ومما كان مني إليكم من سوء ملكة ، فاني مليك سوء ، لئيم ظالم ، مملوك لمليك كريم جواد عادل محسن متفضل ، فيقولون : قد عفونا عنك يا سيدنا وما أسأت .

فيقول لهم قولوا : اللهم أعف عن علي بن الحسين كما عفى عنا ، وأعتقه من النار كما أعتق رقابنا من الرق ، فيقولون ذلك ، فيقول : اللهم آمين يا رب العالمين ، اذهبوا فقد عفوت عنكم ، وأعتقت رقابكم رجاء للعفو عني وعتق رقبتي فيعتقهم .

فإذا كان يوم الفطر أجازهم بجوائز تصونهم وتغنيهم عما في أيدي الناس ، وما من سنة إلا وكان يعتق فيها آخر ليلة من شهر رمضان ما بين العشرين رأسا إلى أقل أو أكثر . وكان يقول : إن لله تعالى في كل ليلة من شهر رمضان عند الافطار سبعين ألف ألف عتيق من النار ، كلا قد استوجب النار ، فإذا كان آخر ليلة من شهر رمضان أعتق فيها مثل ما أعتق في جميعه ، وإني لأحب أن يراني الله ، وقد أعتقت رقابا في ملكي في دار الدنيا ، رجاء أن يعتق رقبتي من النار . وما استخدم خادما فوق حول ، كان إذا ملك عبدا في أول السنة أو في وسط السنة ، إذا كان ليلة الفطر أعتق واستبدل سواهم في الحول الثاني ، ثم أعتق كذلك كان يفعل حتى لحق بالله تعالى ، ولقد كان يشتري السودان وما به إليهم حاجة يأتي بهم إلى عرفات ، فيسد بهم تلك الفرج والخلال ، فإذا أفاض أمر بعتق رقابهم وجوائز لهم من المال اقبال الاعمال ج1 ص443 -444 -445

موقفه مع الخضر :

روى أبو حمزة الثمالي ومنذر الثوري عن علي بن الحسين قال : خرجت حتى انتهيت إلى هذا الحائط فاتكيت عليه فإذا رجل عليه ثوبان أبيضان ينظر في تجاه وجهي ، ثم قال : يا علي بن الحسين ما لي أراك كئيبا حزينا على الدنيا حزنك فرزق الله حاضر للبر والفاجر ، قلت : ما على هذا حزني وانه لكما تقول ، قال : فعلى الآخرة فهو وعد صادق يحكم فيه ملك قاهر فعلى م حزنك ؟ قال قلت : الخوف من فتنة ابن الزبير ، قال : ثم ضحك وقال : يا علي بن الحسين هل رأيت أحدا توكل على الله فلم يكفه ؟ قلت : لا ، قال : يا علي بن الحسين هل رأيت أحدا خاف الله فلم ينجه ؟ قلت : لا ، قال : يا علي بن الحسين هل رأيت أحدا سأل الله فلم يعطه ؟ قلت : لا . ثم نظرت فإذا ليس قدامي أحد ، وكان الخضر مناقب آل أبي طالب ، ج ٣ ص279

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الإمام زين العابدين (عليه السلام) © 2025

Logo

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الإمام زين العابدين (عليه السلام) © 2025