رسالة الحقوق
رسالته في الزهد
محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، وعليُّ بن إبراهيم ، عن أبيه جميعاً عن الحسن بن محبوب ، عن مالك بن عطيّة ، عن أبي حمزة قال : ما سمعت بأحد من النّاس كان أزهد من عليِّ بن الحسين ( عليهما السلام ) إلاّ ما بلغني من عليِّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، قال أبو حمزة : كان الإمام عليُّ بن الحسين ( عليهما السلام ) إذا تكلّم في الزُّهد ووعظ أبكى من بحضرته ، قال أبو حمزة : وقرأت صحيفة فيها كلام زهد من كلام عليِّ بن الحسين ( عليهما السلام ) وكتبت ما فيها ثمَّ أتيت عليِّ بن الحسين صلوات الله عليه فعرضت ما فيها عليه فعرفه وصحّحه وكان ما فيها :
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
كفانا الله وإيّاكم كيد الظالمين وبغي الحاسدين وبطش الجبّارين أيّها المؤمنون لا يفتننّكم الطواغيت وأتباعهم من أهل الرَّغبة في هذه الدُّنيا المائلون إليها المفتتنون بها ، المقبلون عليها وعلى حطامها الهامد وهشيمها البائد غداً ، واحذروا ما حذرَّكم الله منها وأزهدوا فيما زهّدكم الله فيه منها ولا تركنوا إلى ما في هذه الدنيا ركون من اتّخذها دار قرار ومنزل استيطان ، والله إنَّ لكم ممّا فيها عليها [ ل ] - دليلا وتنبيهاً من تصريف أيّامها وتغيّر انقلابها ومثلاتها وتلاعبها بأهلها ، إنّها لترفع الخميل وتضع الشريف وتورد أقواماً إلى النّار غداً ففي هذا معتبرٌ ومختبرٌ وزاجرٌ لمتنبّه ، إنَّ الاُمور الواردة عليكم في كلِّ يوم وليلة من مظلمات الفتن وحوادث البدع وسنن الجور وبوائق الزَّمان وهيبة السلطان ووسوسة الشيطان لتثبّط القلوب عن تنبّهها وتذهلها عن موجود الهدى ومعرفة أهل الحقِّ إلاّ قليلا ممّن عصم الله ، فليس يعرف تصرّف أيّامها وتقلّب حالاتها وعاقبة ضرر فتنتها إلاّ من عصم الله ونهج سبيل الرُّشد وسلك طريق القصد ، ثمَّ استعان على ذلك بالزُّهد فكرّر الفكر واتّعظ بالصبر فازدجر ، وزهد في عاجل بهجة الدُّنيا وتجافى عن لذّاتها ورغب في دائم نعيم الآخرة وسعى لها سعيها وراقب الموت وشنىء الحياة مع القوم الظالمين ، نظر إلى ما في الدنيا بعين نيّرة حديدة البصر ، وأبصر حوادث الفتن وضلال البدع وجور الملوك الظلمة ، فلقد لعمري استدبرتم الاُمور الماضية في الأيّام الخالية من الفتن المتراكمة والانهماك فيما تستدلّون به على تجنّب الغواة وأهل البدع والبغي والفساد في الأرض بغير الحقِّ فاستعينوا بالله وارجعوا إلى طاعة الله وطاعة من هو أولى بالطاعة ممّن اتّبع فاُطيع .
فالحذر الحذر من قبل الندامة والحسرة والقدوم على الله والوقوف بين يديه وتا الله ما صدر قومٌ قطُّ عن معصية الله إلاّ إلى عذابه وما آثر قومٌ قطُّ الدنيا على الآخرة إلاّ ساء منقلبهم وساء مصيرهم وما العلم بالله والعمل إلاّ إلفان مؤتلفان فمن عرف الله خافه وحثّه الخوف على العمل بطاعة الله وإنَّ أرباب العلم وأتباعهم : الذين عرفوا الله فعملوا له ورغبوا إليه وقد قال الله تعالى :
( إنّما يخشى الله من عباده العلماء ) فلا تلتمسوا شيئاً ممّا هذه الدُّنيا بمعصية الله واشتغلوا في هذه الدُّنيا بطاعة الله واغتنموا أيّامها واسعوا لما فيه نجاتكم غداً من عذاب الله فانَّ ذلك أقلُّ للتّبعة وأدنى من العذر وأرجا للنجاة ، وقدِّموا أمر الله وطاعة من أوجب الله طاعته بين يدي الاُمور كلّها ، ولا تقدِّموا الأمور الواردة عليكم من طاعة الطواغيت من زهرة الدُّنيا بين يدي الله وطاعته وطاعة اُولي الأمر منكم . واعلموا أنّكم عبيد الله ونحن معكم يحكم علينا وعليكم سيّدُ حاكم غداً وهو موقفكم ، ومسائلكم فأعدُّوا الجواب قبل الوقوف والمسائلة والعرض على ربِّ العالمين ، يومئذ لا تكلّم نفس إلاّ باذنه . واعملوا أنَّ الله لا يصدِّق يومئذ كاذباً ولا يكذِّب صادقاً ولا يردُّ عذر مستحقّ ولا يعذر غير معذور ، له الحجّة على خلقه بالرُّسل والأوصياء بعد الرُّسل فاتّقوا الله عباد الله واستقبلوا في إصلاح أنفسكم وطاعة الله وطاعة من تولّونه فيها ، لعلّ نادماً قد ندم فيما فرّط بالأمس في جنب الله وضيّع من حقوق الله ، واستغفروا الله وتوبوا إليه فانّه يقبل التوبة ويعفو عن السيّئة ويعلم ما تفعلون . وإيّاكم وصحبة العاصين ومعونة الظالمين ومجاورة الفاسقين ، احذروا فتنتهم وتباعدوا من ساحتهم ، واعلموا أنّه من خالف أولياء الله ودان بغير دين الله واستبدَّ بأمره دون أمر وليِّ الله كان في نار تلتهب ، تأكل أبداناً قد غابت عنها أرواحها وغلبت عليها شقوتها ، فهم موتى لا يجدون حرَّ النار ولو كانوا أحياء لوجدوا مضض حرِّ النار ، واعتبروا يا أُولى الأبصار واحمدوا الله على ما هداكم ، واعلموا أنّكم لا تخرجون من قدرة الله إلى غير قدرته وسيرى الله عملكم ورسوله ثمَّ إليه تحشرون ، فانتفعوا بالعظة وتأدَّبوا بآداب الصالحين . شرح أصول الكافي ج11 ص214
رسالته الى المختار الثقفي
لا توجد في المصادر المعتبرة والمشهورة رسالة معروفة ومؤكدة مروية عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) موجهة إلى المختار الثقفي، ولكن توجد روايات وأقوال متفرقة تشير إلى موقف الإمام الإيجابي من حركة المختار الثقفي التي كانت تهدف للثأر من قتلة الإمام الحسين (عليه السلام) بعد واقعة كربلاء.
الموقف العام المنسوب للإمام زين العابدين من المختار:
يُروى أن الإمام زين العابدين (عليه السلام) دعا للمختار وأثنى على أفعاله حين علم أنه قتل بعضاً من قتلة أبيه الإمام الحسين (عليه السلام). ومن أبرز الروايات:
رواية دعاء الإمام له:
جاء في بعض الروايات أن الإمام زين العابدين قال عندما بلغه أن المختار قتل عبيد الله بن زياد: الحمد لله الذي أدرك لي ثأري من أعدائي وجزى المختار خيرا بحار الانوار ج45 ص 344
رواية إرسال الهدايا:
رُوي أن المختار أرسل هدايا وهبات للإمام زين العابدين (عليه السلام) من غنائم قتلة الإمام الحسين، فقبلها الإمام، مما يُفهم منه تأييده الضمني لحركة المختار وروى في الكشي قال : حدثني يعقوب ، عن ابن أبي عمير . عن هشام بن المثنى عن سدير ، عن أبي جعفر عليه السلام قال :
لا تسبوا المختار فإنه قتل قتلتنا ، وطلب بثأرنا ، وزوج أراملنا ، وقسم فينا المال على العسرة .
اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي ) ج1 ص 340
رسالته الى الزهري:
كتابه عليه السلام إلى محمد بن مسلم الزهري يعظه:
كفانا الله وإياك من الفتن ورحمك من النار ، فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك بها أن يرحمك ، فقد أثقلتك نعم الله بما أصح من بدنك ، وأطال من عمرك ، وقامت عليك حجج الله بما حملك من كتابه ، وفقهك فيه من دينه ، وعرفك من سنة نبيه محمد صلى الله عليه وآله ، فرض لك في كل نعمة أنعم بما عليك وفي كل حجة احتج بها عليك الفرض فما قضى إلا ابتلى شكرك في ذلك ، وأبدى فيه فضله عليك فقال :
لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد.
فانظر أي رجل تكون غدا إذا وقفت بين يدي الله فسألك عن نعمه عليك كيف رعيتها ، وعن حججه عليك كيف قضيتها ، ولا تحسبن الله قابلا منك بالتعذير ولا راضيا منك بالتقصير ، هيهات هيهات ليس كذلك ، أخذ على العلماء في كتابه إذ قال :
لتبيننه للناس ولا تكتمونه واعلم أن أدنى ما كتمت وأخف ما احتملت أن آنست وحشة الظالم ، وسهلت له طريق الغي بدنوك منه حين دنوت ، وإجابتك له حين دعيت ، فما أخوفني أن تكون تبوء بإثمك غدا مع الخونة ، وأن تسأل عما أخذت بإعانتك على ظلم الظلمة ، إنك أخذت ما ليس لك ممن أعطاك ، ودنوت ممن لم يرد على أحد حقا ، ولم ترد باطلا حين أدناك ، وأحببت من حاد الله أوليس بدعائه إياك حين دعاك جعلوك قطبا أداروا بك رحى مظالمهم ، وجسرا يعبرون عليك إلى بلاياهم وسلما إلى ضلالتهم ، داعيا إلى غيهم ، سالكا سبيلهم ، يدخلون بك الشك على العلماء ، ويقتادون بك قلوب الجهال إليهم ، فلم يبلغ أخص وزرائهم ، ولا أقوى أعوانهم إلا دون ما بلغت من إصلاح فسادهم ، واختلاف الخاصة والعامة إليهم . فما أقل ما أعطوك في قدر ما أخذوا منك ، وما أيسر ما عمروا لك ، فيكف ما خربوا عليك . فانظر لنفسك فإنه لا ينظر لها غيرك وحاسبها حساب رجل مسؤول .
وانظر كيف شكرك لمن غذاك بنعمه صغيرا وكبيرا ، فما أخوفني أن تكون كما قال الله في كتابه :
فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا إنك لست في دار مقام . أنت في دار قد آذنت برحيل ، فما بقاء المرء بعد قرنائه . طوبى لمن كان في الدنيا على وجل ، يا بؤس لمن يموت وتبقى ذنوبه من بعده .
احذر فقد نبئت ، وبادر فقد أجلت ، إنك تعامل من لا يجهل ، وإن الذي يحفظ عليك لا يغفل ، تجهز فقد دنا منك سفر بعيد ، وداو ذنبك فقد دخله سقم شديد .
ولا تحسب أني أردت توبيخك وتعنيفك وتعييرك لكني أردت أن ينعش الله ما [ قد ] فات من رأيك ، ويرد إليك ما عزب من دينك وذكرت قول الله تعالى في كتابه : وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين .
أغفلت ذكر من مضى من أسنانك وأقرانك وبقيت بعدهم كقرن أعضب.
أنظر هل ابتلوا بمثل ما ابتليت ، أم هل وقعوا في مثل ما وقعت فيه ، أم هل تراهم ذكرت خيرا علموه وعلمت شيئا جهلوه ، بل حظيت بما حل من حالك في صدور العامة وكلفهم بك ، إذ صاروا يقتدون برأيك ، ويعملون بأمرك . إن أحللت أحلوا وإن حرمت حرموا ، وليس ذلك عندك ، ولكن أظهرهم عليك رغبتهم فيما لديك ذهاب علمائهم وغلبة الجهل عليك وعليهم ، وحب الرئاسة وطلب الدنيا منك ومنهم . أما ترى ما أنت فيه من الجهل والغرة ، وما الناس فيه من البلاء والفتنة ، قد ابتليتهم وفتنتهم بالشغل عن مكاسبهم مما رأوا ، فتاقت نفوسهم إلى أن يبلغوا من العلم ما بلغت ، أو يدركوا به مثل الذي أدركت ، فوقعوا منك في بحر لا يدرك عمقه ، وفي بلاء لا يقدر قدره . فالله لنا ولك وهو المستعان .
أما بعد فأعرض عن كل ما أنت فيه حتى تلحق بالصالحين الذين دفنوا في أسما لهم لاصقة بطونهم بظهورهم ، ليس بينهم وبين الله حجاب ، ولا تفتنهم الدنيا ولا يفتنون بها ، رغبوا فطلبوا ، فما لبثوا أن لحقوا ، فإذا كانت الدنيا تبلغ من مثلك هذا المبلغ مع كبر سنك ورسوخ علمك وحضور أجلك ، فكيف يسلم الحدث في سنه ، الجاهل في علمه ، المأفون في رأيه ، المدخول في عقله . إنا لله وإنا إليه راجعون . على من المعول ؟ وعند من المستعتب ؟ نشكو إلى الله بثنا وما نرى فيك ، ونحتسب عند الله مصيبتنا بك .
فانظر كيف شكرك لمن غذاك بنعمه صغيرا وكبيرا ، وكيف إعظامك لمن جعلك بدينه في الناس جميلا ، وكيف صيانتك لكسوة من جعلك بكسوته في الناس ستيرا ، وكيف قربك أو بعدك ممن أمرك أن تكون منه قريبا ذليلا . مالك لا تنتبه من نعستك ، وتستقيل من عثرتك ، فتقول : والله ما قمت لله واحدا أحييت به له دينا أو أمت له فيه باطلا ، فهذا شكرك من استحملك ما أخوفني أن تكون كمن قال الله تعالى في كتابه : أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا استحملك كتابه ، واستودعك علمه فأضعتها ، فنحمد الله الذي عافانا مما ابتلاك به ، والسلام . بحار الانوار ج75 ص131
رسالته لتذكير أصحابه:
عن الثمالي ، عن علي بن الحسين عليهما السلام :
أنه قال يوما لأصحابه : إخواني ! أوصيكم بدار الآخرة ، ولا أوصيكم بدار الدنيا فإنكم عليها حريصون ، وبها متمسكون ، أما بلغكم ما قال عيسى بن مريم عليه السلام للحواريين ؟ قال لهم : الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها ، وقال : أيكم يبنى على موج البحر دارا ، تلكم الدار الدنيا ، فلا تتخذوها قرارا بحار الانوار ج70 ص 107
*موعظته عليه السلام لسائر أصحابه وشيعته وتذكيره إياهم كل يوم جمعة *
أيها الناس اتقوا الله واعلموا أنكم إليه راجعون ، فتجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه ويحك يا ابن آدم الغافل وليس مغفولا عنه ، إن أجلك أسرع شئ إليك قد أقبل نحوك حثيثا ، يطلبك ويوشك أن يدركك فكان قد أوفيت أجلك وقد قبض الملك روحك وصيرت إلى قبرك وحيدا ، فرد إليك روحك واقتحم عليك ملكاك منكر ونكير لمساءلتك وشديد امتحانك . ألا وإن أول ما يسألانك عن ربك الذي كنت تعبده وعن نبيك الذي ارسل إليك وعن دينك الذي كنت تدين به وعن كتابك الذي كنت تتلوه وعن إمامك الذي كنت تتولاه وعن عمرك فيما أفنيت وعن مالك من أين اكتسبته وفيما أنفقته ، فخذ حذرك وانظر لنفسك وأعد الجواب قبل الامتحان والمسألة والاختبار ، فإن تك مؤمنا عارفا بدينك متبعا للصادقين مواليا لأولياء الله لقاك الله حجتك وأنطق لسانك بالصواب فأحسنت الجواب وبشرت بالجنة والرضوان من الله واستقبلتك الملائكة بالروح والريحان . وإن لم تكن كذلك تلجلج لسانك ودحضت حجتك وعييت عن الجواب وبشرت بالنار واستقبلتك ملائكة العذاب بنزل من حميم وتصلية جحيم.
واعلم يا ابن آدم أن ما وراء هذا أعظم وأفظع وأوجع للقلوب يوم القيامة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود يجمع الله فيه الأولين والآخرين يوم ينفخ في الصور ويبعثر فيه القبور ذلك يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ذلك يوم لا تقال فيه عثرة ولا تؤخذ من أحد فدية ولا تقبل من أحد معذرة ولا لاحد فيه مستقبل توبة ، ليس إلا الجزاء بالحسنات والجزاء بالسيئات ، فمن كان من المؤمنين عمل في هذه الدنيا مثقال ذرة من خير وجده . ومن كان من المؤمنين عمل في هذه الدنيا مثقال ذرة من شر وجده .
فاحذروا أيها الناس من الذنوب والمعاصي ما قد نهاكم الله عنها وحذركموها في الكتاب الصادق والبيان الناطق ولا تأمنوا مكر الله وتدميره عندما يدعوكم الشيطان اللعين إليه من عاجل الشهوات واللذات في هذه الدنيا ، فإن الله يقول :
إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون
وأشعروا قلوبكم خوف الله وتذكروا ما [ قد ] وعدكم في مرجعكم إليه من حسن ثوابه كما قد خوفكم من شديد عقابه ، فإنه من خاف شيئا حذره ومن حذر شيئا تركه ولا تكونوا من الغافلين المائلين إلى زهرة الحياة الدنيا الذين مكروا السيئات [ وقد قال الله تعالى : أفأمن الذين مكروا السيئات ] أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون * أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين * أو يأخذهم على تخوف فاحذروا ما حذركم الله بما فعل بالظلمة في كتابه ولا تأمنوا أن ينزل بكم بعض ما توعد به القوم الظالمين في كتابه لقد وعظكم الله بغيركم . وإن السعيد من وعظ بغيره . ولقد أسمعكم الله في كتابه ما فعل بالقوم الظالمين من أهل القرى قبلكم حيث قال : وأنشأنا بعدها قوما آخرين وقال : فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون يعني يهربون . قال : لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسئلون فلما أتاهم العذاب قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين فإن قلتم أيها الناس : إن الله إنما عنى بهذا أهل الشرك ، فكيف ذاك وهو يقول : ونضع الموازين القسط ليوم القيمة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين .
اعلموا عباد الله أن أهل الشرك لا تنصب لهم الموازين ولا تنشر لهم الدواوين وإنما يحشرون إلى جهنم زمرا وإنما تنصب الموازين وتنشر الدواوين لأهل الاسلام ، فاتقوا الله عباد الله واعلموا أن الله تعالى لم يحب زهرة الدنيا لاحد من أوليائه ولم يرغبهم فيها وفي عاجل زهرتها وظاهر بهجتها فإنما خلق الدنيا وخلق أهلها ليبلوهم فيها أيهم أحسن عملا لآخرته وأيم الله لقد ضربت لكم فيه الأمثال وصرفت الآيات لقوم يعقلون ، فكونوا أيها المؤمنون من القوم الذين يعقلون . ولا قوة إلا بالله . وأزهدوا فما زهدكم الله فيه من عاجل الحياة الدنيا فإن الله يقول - وقوله الحق - : إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والانعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهار فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون ولا تركنوا إلى الدنيا فإن الله قال لمحمد صلى الله عليه وآله. ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ولا تركنوا إلى هذه الدنيا وما فيها ركون من اتخذها دار قرار ومنزل استيطان ، فإنها دار قلعة ومنزل بلغة ودار عمل ، فتزودوا الأعمال الصالحة قبل تفرق أيامها وقبل الاذن من الله في خرابها ، فكان قد أخربها الذي عمرها أول مرة وابتدأها وهو ولي ميراثها . وأسأل الله لنا ولكم العون على تزود التقوى والزهد في الدنيا جعلنا الله وإياكم من الزاهدين في عاجل هذه الحياة الدنيا ، الراغبين في آجل ثواب الآخرة فإنما نحن له وبه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . تحف العقول ص 249
رسالته في ذكر خير الدنيا والآخرة:
البرقي، عن أبيه ، عن ابن يزيد ، عن ابن أبي عمير ، عن عبد الله بن سنان ، عن سعيد بن المسيب ، عن علي بن الحسين عليهما السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ألا أخبركم بما يكون به خير الدنيا والآخرة وإذا كربتم واغتممتم دعوتم الله فيه ففرج عنكم ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : قولوا : لا إله إلا الله ربنا لا نشرك به شيئا ثم ادعوا بما بدا لكم بحار الانوار ج90 ص 208
رسالته مع عبد الملك بن مروان:
1- قال ابن عبد ربّه : تزوج علي بن الحسين جارية له وأعتقها ، فبلغ ذلك عبد الملك ، فكتب إليه يؤنّبه ، فكتب إليه عليّ : إن اللّه رفع بالإسلام الخسيسة ، وأتم به النقيصة وأكرم به من اللؤم ؛ فلا عار على مسلم ؛ وهذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد تزوج أمته وامرأة عبده ! فقال عبد الملك : إن عليّ بن الحسين يشرف من حيث يتّضع الناس .
تزوج علي بن الحسين جارية له وأعتقها ، فبلغ ذلك عبد الملك ، فكتب إليه يؤنّبه ، فكتب إليه عليّ : إن اللّه رفع بالإسلام الخسيسة ، وأتم به النقيصة وأكرم به من اللؤم ؛ فلا عار على مسلم ؛ وهذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد تزوج أمته وامرأة عبده ! فقال عبد الملك : إن عليّ بن الحسين يشرف من حيث يتّضع الناس . العقد الفريد ج7 ص 140
2- روى المجلسي عن فتح الأبواب : محمد بن الحسن بن داود الخراجي ، عن أبيه ، ومحمد بن علي بن حسن المقري ، عن علي بن الحسين بن أبي يعقوب الهمداني ، عن جعفر بن محمد الحسيني ، عن الآمدي ، عن عبد الرحمن بن قريب ، عن سفيان بن عيينة ، عن الزهري قال : دخلت مع علي بن الحسين عليهما الصلاة والسلام على عبد الملك ابن مروان ، قال . فاستعظم عبد الملك ما رأى من أثر السجود بين عيني علي بن الحسين عليه السلام فقال : يا أبا محمد لقد بين عليك الاجتهاد ، ولقد سبق لك من الله الحسنى وأنت بضعة من رسول الله صلى الله عليه وآله قريب النسب وكيد السبب ، وإنك لذو فضل عظيم على أهل بيتك وذوي عصرك ، ولقد أوتيت من الفضل والعلم والدين والورع ما لم يؤته أحد مثلك ولا قبلك إلا من مضى من سلفك ، وأقبل يثني عليه ويطريه ، قال : فقال علي بن الحسين عليه السلام : كلما ذكرته ووصفته من فضل الله سبحانه وتأييده وتوفيقه فأين شكره على ما أنعم يا أمير المؤمنين ؟ كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقف في الصلاة حتى ترم قدماه ، ويظمأ في الصيام حتى يعصب فوه ، فقيل له : يا رسول الله ألم يغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فيقول صلى الله عليه وآله : أفلا أكون عبدا شكورا ، الحمد لله على ما أولى وأبلى ، وله الحمد في الآخرة والأولى ، والله لو تقطعت أعضائي ، وسالت مقلتاي على صدري ، لن أقوم لله جل جلاله بشكر عشر العشير من نعمة واحدة من جميع نعمه التي لا يحصيها العادون ، ولا يبلغ حد نعمة منها على جميع حمد الحامدين ، لا والله أو يراني الله لا يشغلني شئ عن شكره وذكره ، في ليل ولا نهار ، ولا سر ولا علانية ، ولولا أن لأهلي علي حقا ، ولسائر الناس من خاصهم وعامهم علي حقوقا لا يسعني إلا القيام بها حسب الوسع والطاقة حتى أؤديها إليهم لرميت بطرفي إلى السماء ، وبقلبي إلى الله ، ثم لم أرددهما حتى يقضي الله على نفسي وهو خير الحاكمين ، وبكى عليه السلام وبكى عبد الملك وقال : شتان بين عبد طلب الآخرة وسعى لها سعيها ، وبين من طلب الدنيا من أين جاءته ماله في الآخرة من خلاق ، ثم أقبل يسأله عن حاجاته وعما قصد له فشفعه فيمن شفع ، ووصله بمال . بحار الانوار ج46 ص56
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الإمام زين العابدين (عليه السلام) © 2025